ملا محمد مهدي النراقي
272
جامع السعادات
الألسنة بالمدح والثناء . فصل لا بد للانسان من جاه كما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم والملبس والمسكن ومثله ليس بمذموم ، فكذلك لا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق ، إذ الإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام والمال الذي يباع به الطعام فكذلك لا يستغني عن خادم يخدمه ورفيق بعينه وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار ، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المنزلة ما يدعوه إلى الخدمة وفي قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ، وفي قلب السلطان من المحل ما يدفع به الشر عنه ، ليس بمذموم . إذ الجاه كالمال وسيلة إلى الأغراض ، فلا فرق بينهما ، إلا أن هذا يقضي إلى ألا يكون المال والجاه محبوبين بأعيانهما بل من حيث التوصل بهما إلى غيرهما . ولا ريب في أن كل ما يراد به التوصل إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوسل إليه دون الوسيلة . ومثل هذا الحب مثل حب الإنسان أن يكون في داره بيت الخلاء لقضاء حاجته ولو استغنى عن قضاء الحاجة ، ولم يضطر إليه كره اشتمال داره على بيت الخلاء ومثل أن يحب زوجته ليدفع بها فضلة الشهوة ، ولو كفي مؤنة الشهوة لأحب مهاجرتها ، وإذا كان حبهما لضرورة البدن والمعيشة لا لذاتهما لم يكن مذموما ، والمذموم أن يحبهما لذاتهما . وفيما يجاوز ضرورة البدن كحب زوجته لذاتها حب العشاق حتى لو كفي مؤنة الشهوة لبقي مستصحبا لحبها . ثم حبهما بأعيانهما وإن كان مذموما مرجوحا ، لكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية ، وما لم يتوصل إلى اكتسابهما بكذب وخداع وتلبيس ، كأن يظهر للناس قولا أو فعلا اعتقدوا لأجله اتصافه بوصف ليس فيه ، مثل العلم والورع أو علو النسب وبذلك يطلب قيام المنزلة في قلوبهم ، وما لم يتوصل إلى اكتسابهما بعبادة ، إذ التوصل إلى المال والجاه بالعبادة جناية على الدين وهو حرام ، وإليه يرجع معنى الرياء المحظور ، كما يأتي . وأما طلبهما بصفة هو متصف بها ، فهو مباح غير مذموم ، وذلك